الغزالي
93
التبر المسبوك في نصيحة الملوك
الباب الرابع في سمو همم الملوك قال أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه : اجتهد أن لا تكون دنيء الهمّة ، فإني ما رأيت أسقط لقدم الإنسان من تداني همّته . وقال عمرو بن العاص : المرء حيث وضع نفسه . يريد : إن أعز نفسه علا أمره ، وإن أذلّها ذلّ وهان قدره . وتفسير معنى الهمّة أن يرفع نفسه ، فإن أنفة القلب من همم الأكابر ؛ لأنهم يعرفون قدر أنفسهم فيعزونها ؛ ولا يرفع أحد قدر أحد حتى يكون هو الرافع لقدر نفسه . وإعزاز المرء نفسه أن لا يختلط بالأراذل ، ولا يشرع في عمل ما لا يجوز لمثله أن يعمله ، ولا يقول ما يعاب به . والهمّة والأنفة للملوك ؛ لأن اللّه ركب فيهم هذه الخصلة ليتعلّمها منهم الوزراء والندماء كما جاء في الحكاية : حكاية : أمر أبو الدوانيق لرجل بخمسمائة درهم ، فقال أحمد بن الخصيب : لا يجوز للملك أن يهب ما دون الألف من الأعداد . وكان هارون الرشيد يوما راكبا في موكبه ، فسقط فرس رجل من عسكره ، فقال هارون : ليعط خمسمائة درهم ! فأشار إليه يحيى بعينه وقال : هذا خطأ . فلمّا نزلوا قال الرشيد : أي خطأ بدا مني حتى أشرت إليّ بعينك ؟ فقال : لا يجوز أن يجري على لسان أحد من الملوك أقل من الألف من الأعداد ؛ فقال الرشيد : فإن اتفق أمر لا يجوز أن يعطى فيه أكثر من خمسمائة درهم مثل هذا فكيف يقال ؟ فقال : قل ليعطى فرسا ، فيدفع إليه فرس على جاري العادة والرسم ، وتكون قد نزهت همّتك عن ذكر الحقير . ولهذا خلع المأمون ولده من ولاية عهده ، وذلك أن المأمون اجتاز بحجرة العباس فسمعه يقول لغلامه : يا غلام قد رأيت بباب الرصافة بقلا حسنا ، فخذ نصف درهم وصل إلى باب الرصافة وائتني بشيء منه ! فناداه المأمون : من الآن علمت أن للدرهم نصفا ، اذهب فأنت لا تصلح لولاية العهد وتدبير المملكة ولا يأتي منك صلاح ولا فلاح .